المعتقدات الدينية كأداة علاجية — الجزء الثالث

السلسلة
المعتقدات الدينية، في حقيقتها، هي منهج حياة متكامل، ويمكن أن تكون ذات دور وقائي وعلاجي. فهي تمنح الإنسان إطارًا للحياة، وتساعد على التخفيف من القلق والتوتر والاكتئاب، كما تساعده على تقبّل المرض والشدائد. المعتقدات الدينية: أداة علاجية ووقائية

الإيمان بوصفه نظام حماية.

والوازع الديني يمكن أن يكون بمثابة نظام حماية للإنسان؛ إذ يقلل من مساحات الاختلاف والمشكلات، وقد يشكل حاجزًا أمام الاضطراب النفسي أو الانزلاق إلى متاهات الإدمان أو الانتحار.

ملاحظة سريرية — د. محمد مهيدات
قام د. محمد مهيدات بتزويد عدد من المرضى بملف يحتوي على آيات قرآنية وأحاديث ذات صلة بالصحة والمرض، إلى جانب عبارات مأثورة وأمثال.
منهم من صوّر عددًا كبيرًا من الأوراق، ومنهم من طلب نسخًا كاملة، ومنهم من ذكر أن هذه المواد كان لها أثر كبير — قُدّر بنحو 90% — في تحسن حالته النفسية.
كما أبدى ذوو المرضى ارتياحهم وسرورهم تجاه ذلك.
كيف نتعامل مع المرض؟

البناء على ما يحمله المريض أصلًا.

الإنسان يتوجه بفطرته إلى الله عند حدوث المصيبة، لأن لديه قاعدة إيمانية — وخاصة الإيمان بالقضاء والقدر — وهذا بحد ذاته قد يوفر قدرًا من الدعم النفسي الذاتي.

فقول المريض: «الحمد لله، هذا من عند الله» يمكن أن يكون مؤشرًا لنا على إمكانية الاستفادة من هذا العامل لتعميق إيمانه بالقضاء والقدر، وزيادة صلته بالله عز وجل، بما يساعده على تحقيق التوازن النفسي والتخفيف من التوتر والقلق والاكتئاب.

ويمكن تذكير المريض بآيات قرآنية ذات صلة بحالته، وتشجيعه على تدبر معانيها. وبهذا ننقله إلى معانٍ أسمى تتجاوز المرض وصعوباته — وهذا في حد ذاته إجراء معرفي سلوكي.

قصص الأنبياء كأداة علاجية

تجارب إنسانية خالدة — للمريض الجالس أمامك.

عندما نقدم للمريض قصصًا عن الإيمان والتوكل والصبر، فإننا نقدم مجموعة من الأحداث والأفكار والسلوكيات تتفاعل مع وظائفه العقلية، وقد تفتح أمامه آفاقًا من التفاؤل والاطمئنان.

سيدنا يوسف عليه السلام ابتلاءات كثيرة له ولوالده سيدنا يعقوب عليه السلام، استمرت سنوات طويلة. لكن النهاية كانت سعيدة — قصة صبر ويقين بأن حكمة الله تتجلى في وقتها.
سيدنا إبراهيم عليه السلام بدأ حياته يبحث عن الله بفطرته، وخالف أباه وقومه في عبادتهم للأصنام. قرروا معاقبته بالنار، وأعدوا لها وألقوه فيها — إلا أن عناية الله حفظته.
سيدنا موسى عليه السلام بدأت الابتلاءات منذ طفولته حين أمر الله أمه بإلقائه في اليم. وعندما أُمر بالدعوة توجّه إلى ربه: ﴿رَبِّ اشرَح لِي صَدرِي وَيَسِّر لِي أَمرِي﴾
سورة هود — 11:120 ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
الدعاء

تواصل مع الخالق — يعزز التوكل وحسن الظن.

قال تعالى ﴿ادعُونِي أَستَجِب لَكُم﴾
حديث قدسي «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» رواه البخاري ومسلم
الإيمان بالقضاء والقدر

إعادة التأطير — لا الإنكار.

يرتبط الإيمان بالقضاء والقدر بموضوع الصبر، الذي يتطلب تماسك النفس والتحكم في الانفعالات، ويسهم في زيادة القدرة على تحمل المسؤولية.

ويمكن مساعدة المريض على إعادة تأطير تجربة الإصابة. فبدلًا من «أنت معاق»، يمكن القول: «أنت في امتحان للإيمان والصبر — ويمكنك أن تعيش حياتك مثل الآخرين؛ تعيش مع أسرتك، وتنعم بالأمان، بينما هناك أناس أصحاء جسديًا لا يجدون الطعام والمأوى».

قال النبي ﷺ «إذا أحب الله عبدًا ابتلاه»
الصلاة والاستماع للقرآن

تغذية الروح إلى جانب الجسد.

الإنسان مخلوق من جسد وروح، ولكل منهما حاجاته. ونشعر بالراحة النفسية والاطمئنان عندما تُشبَع الحاجات الروحية من خلال اتصال الروح بالخالق عز وجل.

وكان الرسول ﷺ عند اقتراب موعد الأذان يقول لبلال: «أَرِحنا بها يا بلال» — فالصلاة كانت مصدرًا للراحة والطمأنينة، وهي نوع من الصلة بالخالق العظيم.

وقد أُجريت دراسة مقارنة على مجموعتين من المرضى؛ إحداهما تستمع إلى القرآن والأخرى لا. وتبين أن المجموعة التي استمعت إلى كلام الله أظهرت تحسنًا أسرع. كما تبين وجود تأثير إيجابي لدى بعض المرضى من غير المسلمين عند استماعهم للقرآن.


سورة الرعد — 13:28 ﴿أَلَا بِذِكرِ اللَّـهِ تَطمَئِنُّ القُلُوبُ﴾

المعتقدات الدينية موجودة لدى الإنسان المسلم وإن اختلفت درجاتها. وهذا يتيح التعامل مع المريض على أساس مشترك — أساس لا تستطيع كثير من الطرق العلاجية الأخرى افتراضه.

عن المؤلف د. محمد مهيدات استشاري نفسي طبي / إكلينيكي · متخصص في علم النفس الإكلينيكي والتأهيل
عضو — الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) · الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP)

تواصل مع د. مهيدات ←
Previous
Previous

مصطلح «الألم المزمن» وتأثيره في إدراك الألم وتقبّله ونتائج إدارته

Next
Next

نظريات علم النفس والمنظور الإسلامي — الجزء الثاني