نظريات علم النفس والمنظور الإسلامي — الجزء الثاني


هذا الجزء الثاني من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول المعتقدات الدينية كاستراتيجية معرفية في العلاج النفسي. للاطلاع على البداية: الجزء الأول — المعتقدات الدينية والفطرة الإنسانية.

نظريات علم النفس بين الاعتماد والنقد

أي نظرية أو طريقة علاجية في علم النفس بحاجة إلى دراسة مستفيضة ومناقشة قبل أن نأخذ بها كاملةً أو بأجزاء منها، لأن كثيراً من النظريات تم انتقادها أو إهمالها. ويمكن أن نقتبس منها أو نبني أفكاراً جديدة وفقاً لما يناسب ثقافتنا ومعتقداتنا.

النظريات هي نتاج الفكر البشري، ومنها ما هو غير قابل للتجريب وغير خاضع للبحث العلمي. إذاً من حقنا أن نقيّم النظرية أو أن نعدّلها، ويكون ذلك في ضوء ثقافتنا وفي ضوء الاستخدامات في العمل.

ليس شرطاً التقيد بطريقة علاجية معينة؛ فيمكن أن نأخذ أكثر من طريقة علاجية لنفس الحالة. وبعد الخبرة في العمل يمكن القيام بالتعديلات المناسبة.

عامل الثقافة والمعتقدات في النظريات

إن ظهور نظرية معينة لا بد أن يتأثر بعوامل الثقافة والمعتقدات. فكل مجتمع له ثقافته وأفكاره، لأن صاحب النظرية تربى وعاش في بيئة تختلف عن باقي المجتمعات. فمثلاً نجد أن المقصود بالأفكار السلبية في العلاج المعرفي يختلف في العدد والكم من الأفكار غير المنطقية من مجتمع لآخر. إذاً من غير المناسب أن نطبق بشكل مباشر ما نقرأه من النظريات.

النظرية كذلك بحاجة إلى ترجمة. فهل الترجمة صحيحة فيما لدينا من مؤلفات كثيرة مترجمة؟ وهل نفهم النظرية كما عرضها المؤلف؟ ثم عند التطبيق، هل لدينا القدرة على نقل الفكرة ومصطلحاتها إلى المريض؟ وهل المريض لديه القدرة على فهمها وفقاً لمستواه الثقافي؟

مثال: ترجمت كلمة (cognition) إلى: المعرفة — الإدراك — العقل — المعنى — الذهن. أيّ هذه الترجمات تعكس المقصود الأصلي؟

الدارس للنظريات العلاجية يلاحظ أنها متعددة ومتغيرة وأحياناً متضاربة. لماذا لا توجد نظرية واحدة يتفق عليها الجميع؟ يحدث ذلك طبعاً لأن الظاهرة النفسية متنوعة ومعقدة ومتغيرة، بالإضافة إلى عوامل الثقافة المختلفة.

في العلاج المعرفي مثلاً يمكن أن نأخذ الفكرة الرئيسية من النظرية — تغيير الأفكار السلبية وبناء أفكار جديدة أو إيجابية — فليس شرطاً التقيد بكل الخطوات، بل نأخذ بمستوى مناسبتها للمريض. ويمكن مناقشة أي موضوع يقترحه المريض: آيات من القرآن الكريم ذات صلة بحالته، أو حديث نبوي، أو حكمة، أو قول مأثور. فأي فكرة أو طريقة تؤدي إلى تغيير في الأفكار السلبية تُعتبر ضمن شروط النظرية وتحقق الهدف.

التراث النفسي الإسلامي

الفلاسفة وعلماء النفس المسلمون كانوا متقدمين جداً: الغزالي، ابن سينا، ابن مسكويه، الفارابي، ابن رشد — لهم مؤلفات في الفلسفة وعلم النفس والمنطق والأخلاق والجمال، أخذوا هذه العلوم من القرآن والسنة وعلماء الدين، بالإضافة لدراستهم الفلسفة اليونانية. وكان لهم تأثير قوي في الفكر الغربي.

الغزالي على سبيل المثال يعتبر النفس جوهراً روحانياً لا تفنى بفناء الجسد، وينظر للإنسان ككلٍّ متكامل من روح ونفس وجسد، وللسلوك جانب معرفي ووجداني وحركي.

لقد تم استبعاد التراث العربي الإسلامي في علم النفس من مناهجنا التعليمية، ولا نجد تطبيقات لذلك. نحن بحاجة إلى العودة إلى ذلك التراث والعمل على تطوير المفاهيم النفسية من وجهة نظر إسلامية.

اللغة في العلاج النفسي

العلاج النفسي هو حوار بين إنسان ذو خبرة مع إنسان في محنة. الحوار يحتاج إلى لغة — تبدأ اللغة بكلمة ثم كلمات ثم أفكار، وتتفاعل الأفكار مع الخبرات والثقافة والمعتقدات. إذاً المعالج يجب أن يكون من نفس الثقافة ويتحدث بنفس اللغة حتى ينجح العلاج.

الكلمات لها معانٍ متعددة ويتبلور عنها صور ذهنية ودلالات حسية مما يُحدث تأثيرات خاصة وانفعالات سلبية أو إيجابية. نقول: فلان كلامه يشرح الصدر، أو يجرح، أو يحيي الروح، أو يدخل القلب.

الكلام له قوة تأثير قد تستمر إلى فترات قصيرة أو طويلة، لأنه يتفاعل مع الوظائف العقلية والخبرات وغير ذلك. فلا بد أن للكلام تأثيراً علاجياً.

قال تعالى: ﴿أَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصلُهَا ثَابِتٌ وَفَرعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم، 24).

قوة الكلمة في التغيير

ما نسمعه من كلام الناس أحياناً قد يغير مجرى الحياة. يقول شخص: «سمعت كلمة غيّرت مجرى حياتي». يقول آخر: «سمعت آية من القرآن طالما سمعتها، لكني هذه المرة كأني أسمعها لأول مرة». يقول آخر: «الحكمة الفلانية كانت نقطة تحول في حياتي».

وقد لاحظ د. محمد مهيدات أن كثيراً من المرضى كانوا يستجيبون لعبارات إيجابية مكتوبة وكانوا يطلبون الاحتفاظ بها والحصول على المزيد منها.

فالمطلوب في الجلسة العلاجية ليس إحداث التغيير فقط، ولكن إحداث التغيير مع شعور المريض بالراحة النفسية والطمأنينة وبأقصر الطرق وبأنه قد استفاد من مهارة التفكير الإيجابي.

ولو عدنا إلى المجتمع العربي المسلم كثقافة متميزة، فالمجتمع لديه قاعدة إيمانية بمستويات مختلفة بين الأفراد، ويشكل الإيمان بالقضاء والقدر الإطار المرجعي للرجوع إليه في أزمات الحياة للتخفيف من الضغوط النفسية والتوتر.

فهو يتقبل الكلام الديني دون تردد ويستجيب له أكثر من الحديث في أموره النفسية — وهذا ما لاحظه د. محمد مهيدات من خلال جلساته مع المرضى.

← تابع القراءة: الجزء الثالث — المعتقدات الدينية كأداة علاجية عملية

Previous
Previous

المعتقدات الدينية كأداة علاجية — الجزء الثالث

Next
Next

المعتقدات الدينية والفطرة الإنسانية — الجزء الأول