نظريات علم النفس والمنظور الإسلامي — الجزء الثاني
الحق في التقييم والتكيّف.
فالنظريات هي نتاج الفكر البشري، ومنها ما لا يمكن إخضاعه للتجربة أو التحقق منه بصورة مباشرة. ومن ثم، فمن حقنا أن نقيّم النظرية وأن نعدّلها، على ضوء ثقافتنا واحتياجاتنا العملية. وليس من الضروري الالتزام بطريقة علاجية واحدة.
عامل الثقافة والمعتقداتكل نظرية تتشكّل في البيئة التي وُلدت فيها.
لكل مجتمع ثقافته وأفكاره، وصاحب النظرية نشأ في بيئة قد تختلف عن بيئات المجتمعات الأخرى. فعلى سبيل المثال، قد يختلف مفهوم الأفكار السلبية في العلاج المعرفي وطبيعتها من مجتمع إلى آخر. لذلك، ليس من المناسب أن نطبّق مباشرةً كل ما نقرأه في النظريات دون مراعاة السياق الثقافي.
وفي العلاج المعرفي، يمكن أن نأخذ الفكرة الرئيسية — تغيير الأفكار السلبية وبناء أفكار أكثر إيجابية — دون الالتزام الحرفي بكل خطواتها. ويمكن مناقشة أي موضوع يقترحه الشخص: آيات من القرآن الكريم ذات صلة بحالته، أو حديث نبوي، أو حكمة. فأي فكرة تساعد على تغيير الأفكار السلبية تحقق هدف العلاج.
التراث النفسي الإسلاميإرث سبق الغرب وأثّر فيه.
لهم مؤلفات في الفلسفة وعلم النفس والمنطق والأخلاق والجمال، استمدوها من القرآن والسنة ومن تراث علماء الدين إلى جانب دراستهم للفلسفة اليونانية. وكان لهم تأثير مهم في تطور الفكر الغربي.
فالغزالي ينظر إلى النفس باعتبارها جوهرًا روحانيًا لا يفنى بفناء الجسد، ويرى الإنسان ككل متكامل من روح ونفس وجسد. وقد جرى استبعاد هذا التراث من مناهجنا التعليمية — ونحن بحاجة إلى العودة إليه وتطوير مفاهيم نفسية من منظور إسلامي.
اللغة في العلاج النفسيالمعالج يجب أن يتحدث لغة الشخص — بكل معانيها.
العلاج النفسي هو حوار بين إنسان ذي خبرة وإنسان يمر بمحنة. والحوار يحتاج إلى لغة؛ تبدأ بكلمة، ثم كلمات، ثم أفكار تتفاعل مع الخبرات والثقافة والمعتقدات.
كلمة تُسمع في اللحظة المناسبة قد تغيّر مجرى حياة.
يقول شخص: «سمعت كلمة غيّرت مجرى حياتي». ويقول آخر: «سمعت آية من القرآن طالما سمعتها، لكني هذه المرة كأني أسمعها لأول مرة». ويقول آخر: «كانت تلك الحكمة نقطة تحول في حياتي».
وقد لاحظ د. محمد مهيدات أن كثيرًا من الأشخاص الذين تعامل معهم كانوا يستجيبون لعبارات إيجابية مكتوبة، ويطلبون الاحتفاظ بها والحصول على المزيد منها. والهدف في الجلسة العلاجية ليس إحداث التغيير فحسب، بل إحداثه بطريقة تمنح الشخص شعورًا بالراحة النفسية والطمأنينة.
وإذا عدنا إلى المجتمع العربي المسلم، وجدنا أن لديه قاعدة إيمانية، وأن الإيمان بالقضاء والقدر يشكّل إطارًا مرجعيًا في أزمات الحياة. ولهذا، قد يتقبل بعض الأشخاص الحديث الديني دون تردد — وهذا ما لاحظه د. محمد مهيدات من خلال جلساته.
هذا ما لاحظه د. محمد مهيدات باستمرار في جلساته — وهو ما يشكّل أساس الجزء الثالث، الذي يتناول التطبيقات العملية لهذه الرؤية.