المعتقدات الدينية والفطرة الإنسانية — الجزء الأول

السلسلة
بدأ الإنسان، بفطرته، يبحث عن مصدر يستمد منه القوة والعون لتحقيق الاستقرار النفسي والشعور بالأمان، لشعوره بضعفه وإدراكه أن هناك قوة عظمى أوجدته. الفطرة والإيمان

الإنسان يولد وفيه الفطرة.

ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض القبائل البشرية في وقتنا الحاضر، خاصةً من لم تصلهم الرسالات السماوية، ولا تزال تمارس طقوسًا معينة ولديها معتقداتها التي تؤمن بها. ونحن، كمسلمين، أكرمنا الله بدين الإسلام؛ فهو دين يقوم على العبادة الروحية والنفسية والعقلية، ومنهج حياة متكامل.

سورة ص — 38:72 ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾

فالإنسان فيه من روح الله، ويولد ومعه الفطرة، لكن هذه الفطرة تتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه.

قال النبي ﷺ «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه»

وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام، في بداية حياته، يبحث عن الله بفطرته، مدركًا أن لهذا الكون خالقًا.

سورة الأنعام — 6:76 ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾
سورة الأنعام — 6:79 ﴿إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ﴾

وكذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بدأ حياته في البحث عن سر هذا الكون، وكان يذهب إلى غار حراء للتعبد والتفكر ومناجاة الخالق.

قوة الإيمان في مواجهة الابتلاء

يقين بعدل الله يُمكّن من الصبر.

أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل ومعهم المعجزات لهداية الناس. وقد تعرض الذين آمنوا للابتلاءات، لكنهم صبروا وقدموا أرواحهم فداءً.

سورة البروج — 85:8 ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنهُم إِلَّا أَن يُؤمِنُوا بِاللَّـهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾

وكذلك قصة إيمان سحرة فرعون بسيدنا موسى عليه السلام، حين قالوا:

سورة طه — 20:72 ﴿لَن نُؤثِرَكَ عَلى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقضِي هَـذِهِ الحَيَاةَ الدُّنيَا﴾

نلاحظ في هذين المثالين أن قوة العقيدة والإيمان كانت عظيمة لدى من آمنوا، وكان لديهم يقين بعدل الله وثوابه، فتحملوا الابتلاءات الشديدة.

القرآن الكريم

خطاب للروح والعقل والنفس.

القرآن الكريم كتاب دين وهداية ومعرفة، وينظم حياة الإنسان، ويخاطب الروح بالدرجة الأولى، كما يخاطب العقل والوجدان، ويهذب السلوك والأخلاق، حتى يستطيع الإنسان تحقيق التوازن النفسي والسعادة في الدنيا والآخرة.

آيات في الشفاء والهداية
الإسراء: «شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ» طه: «مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى» الحشر: «خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّن خَشيَةِ اللَّـهِ»

إن اعتناق الفرد للإسلام يعني أنه سيتبع نظامًا جديدًا في الحياة، ويحدث لديه تغيير شامل: ديني واجتماعي وعقلي ونفسي. وهذا دليل على أن كلام الله أحدث تفاعلًا في الوظائف العقلية والأفكار والمشاعر، مما أدى إلى تغيير في السلوك.

قال أينشتاين «إن الإيمان هو أقوى وأنبل نتائج البحوث العلمية. إن الإيمان بلا علم ليمشي مشية الأعرج، وإن العلم بلا إيمان ليتلمس تلمس الأعمى»
قصة الإنسان ممثلةً بخلق آدم

إنسان مُكرَّم — ولم يُترك بلا إرشاد.

ثلاث آيات في التكريم والأمانة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة) · ﴿لَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ﴾ (التين) · ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب)

تتحدث هذه الآيات عن حسن خلق آدم وعن تكريم الله له وعن تحمّله مسؤولية خلافة الأرض. فهل يُترك الإنسان دون تعليمات أو إرشادات، خاصةً فيما يتعلق بحياته النفسية والاجتماعية؟


إذًا، علينا دراسة القرآن الكريم دراسة دقيقة للوصول إلى المعاني النفسية والتربوية فيه — وحتى نفهم القرآن، علينا أولًا فهم اللغة العربية وبلاغتها.

تابع إلى الجزء الثاني ←
عن المؤلف د. محمد مهيدات استشاري نفسي طبي / إكلينيكي · متخصص في علم النفس الإكلينيكي والتأهيل
عضو — الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) · الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP)

تواصل مع د. مهيدات ←
Previous
Previous

نظريات علم النفس والمنظور الإسلامي — الجزء الثاني

Next
Next

الكلمات التي تؤلم: مصطلحات طبية تستحق إعادة النظر