المعتقدات الدينية والفطرة الإنسانية — الجزء الأول


هذا الجزء الأول من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول المعتقدات الدينية كاستراتيجية معرفية في العلاج النفسي.

الفطرة والإيمان

بدأ الإنسان بفطرته يبحث عن مصدر يستمد منه القوة والعون للحصول على الاستقرار النفسي والأمن، وذلك لشعوره بأنه شخص ضعيف وأن هناك قوة عظمى قد أوجدته. وبناءً على ذلك أخذ يتبنى معتقدات معينة للتقرب من الإله، حتى لو كانت تلك المعتقدات خاطئة بمفهوم العقل والمنطق.

ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض القبائل البشرية في وقتنا الحاضر، خاصة من الذين لم تصلهم الرسالات السماوية، لا يزالون يمارسون طقوساً معينة ولديهم معتقداتهم التي يؤمنون بها. ونحن كمسلمين أكرمنا الله بدين الإسلام؛ فهو دين عبادة روحية ونفسية وعقلية، ومنهج حياة متكامل.

يقول الله عز وجل في القرآن الكريم في سورة ص: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. فالإنسان فيه من روح الله، يُولد ومعه الإيمان، لكن هذه الفطرة تتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه».

سيدنا إبراهيم عليه السلام كان في بداية حياته يبحث عن الله بالفطرة، يعرف أن هناك خالقاً لهذا الكون. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَباً قَالَ هـَذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ... حتى وصل إلى قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ﴾.

وكذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بدأ حياته في البحث عن سر هذا الكون، وكان يذهب إلى غار حراء للتعبد والتفكر ومناجاة الخالق.

قوة الإيمان في مواجهة الابتلاء

أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل ومعهم المعجزات لهداية الناس. والذين آمنوا تعرضوا لابتلاءات لكنهم صبروا وقدموا أرواحهم فداءً. ومن الأمثلة على ذلك قصة أصحاب الأخدود التي ذكرت في سورة البروج: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنهُم إِلَّا أَن يُؤمِنُوا بِاللَّـهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾.

وكذلك قصة إيمان سحرة فرعون بسيدنا موسى عليه السلام، حين قالوا: ﴿لَن نُؤثِرَكَ عَلى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقضِي هَـذِهِ الحَيَاةَ الدُّنيَا﴾.

نلاحظ في هذين المثالين أن الذين آمنوا كانت قوة العقيدة والإيمان لديهم عظيمة، وأن لديهم يقيناً بعدل الله وثوابه، فتحملوا الابتلاءات الشديدة.

القرآن الكريم: خطاب للروح والعقل والنفس

القرآن الكريم هو كتاب دين وعلوم وهداية ومعرفة، ينظم حياة الإنسان، يخاطب الروح بالدرجة الأولى، والعقل والوجدان، ويهذب السلوك والأخلاق، حتى يستطيع الإنسان تحقيق التوازن النفسي والسعادة في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ﴾ (الإسراء). وقال تعالى: ﴿طه مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى﴾.

وقال تعالى: ﴿لَو أَنزَلنَا هَـذَا القُرآنَ عَلى جَبَلٍ لَّرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّن خَشيَةِ اللَّـهِ﴾ (الحشر).

إن اعتناق الفرد الإسلام يعني أنه سوف يتبع نظاماً جديداً في الحياة — يحدث لديه تغيير شامل: ديني، اجتماعي، عقلي ونفسي. وهذا دليل على أن كلام الله عز وجل قد أحدث تفاعلاً في الوظيفة العقلية والأفكار والمشاعر لدى الفرد، مما أدى إلى تغيير في السلوك.

نستنتج من ذلك أن المعتقد هو بمثابة القاعدة الإيمانية الأساسية لتغيير السلوك. وكذلك فإن المعتقدات هي بمثابة العلاج الوقائي والنفسي؛ فإذا ما حدثت أي انتكاسة للإنسان فسوف تكون أقل أثراً.

يقول أنيشتاين: «إن الإيمان هو أقوى وأنبل نتائج البحوث العلمية. إن الإيمان بلا علم ليمشي مشية الأعرج، وإن العلم بلا إيمان ليتلمس تلمس الأعمى».

قصة الإنسان ممثلةً بخلق آدم

قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة). وقال: ﴿لَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ﴾ (التين). وقال: ﴿إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَهَا وَأَشفَقنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب).

تتحدث هذه الآيات عن حسن خلق آدم — الإنسان — وعن تكريم الله عز وجل له، وعن تسلمه لخلافة الأرض. فهل يُترك بدون تعليمات أو إرشادات يستنير بها، وخاصة ما يتعلق بحياته النفسية والاجتماعية؟

إذاً علينا دراسة القرآن الكريم دراسةً دقيقةً للوصول إلى المعاني النفسية والتربوية. وحتى نفهم القرآن الكريم، علينا أولاً فهم اللغة العربية وفهم بلاغتها، لكي نعرف ماذا يعني كلام الله عز وجل، وحتى نكون قادرين على التطبيق الصحيح.

← تابع القراءة: الجزء الثاني — نظريات علم النفس والمنظور الإسلامي

Previous
Previous

نظريات علم النفس والمنظور الإسلامي — الجزء الثاني

Next
Next

الكلمات التي تؤلم: مصطلحات طبية تحتاج إلى إعادة نظر