الكلمات التي تؤلم: مصطلحات طبية تحتاج إلى إعادة نظر


من خلال عملي كاختصاصي في علم النفس الطبي والإكلينيكي، لاحظت أن هناك كثيرًا من المصطلحات والمسميات الطبية التشخيصية بحاجة إلى مراجعة وإعادة نظر، لما قد تحدثه من ردود أفعال نفسية سلبية على صحة المريض. وهناك اليوم توجّه عالمي متنامٍ بهذا الخصوص.

مصطلح "المريض" — وصمة أم مجرد كلمة؟

إن أول هذه المسميات التي تستحق الوقوف عندها هو كلمة "المريض". فمن الأشخاص من لا يحب أن يُقال عنه مريض، ويعتبرها وصمة غير لائقة ويتأثر بها نفسيًا. لذا ظهر حديثًا توجّه عالمي لاستبدالها بمصطلح "الشخص طالب الخدمة" أو "الشخص الذي تُقدَّم له الخدمة" — The Person Served.

وتمتد هذه الإشكالية لتشمل مصطلحات طبية تشخيصية أخرى ذات أثر نفسي بالغ، مثل: الفشل الكلوي، الجلطة الدماغية، الموت الدماغي، الشلل، "الناجون من السرطان" وغيرها. هذه الكلمات قد تزيد التوتر والقلق لدى بعض الأشخاص وأسرهم بشكل يتجاوز ما تستدعيه الحالة الطبية الفعلية.

لذلك نوصي بأن يستخدم الطبيب كلمات قريبة من التشخيص الطبي لكنها أقل أثرًا على نفسية المستمع. على سبيل المثال، في حالات السرطان، يكفي أن يُبلَّغ الشخص وعائلته بأن "لديه غدة" أو "هناك خلايا لا تقوم بعملها بالشكل المطلوب ونحن سنعالج ذلك." إن الطبيب يجب أن يُفرّق بين دراسته للطب وممارسته للمهنة — فما يُكتب في الكتاب الطبي ليس بالضرورة ما يُقال في الغرفة الطبية.

إن طالب الخدمة يأتي في الغالب في حالة من التوتر والقلق جراء الأعراض التي يشكو منها. وهذا القلق يؤثر بدوره على قدرته على تقبّل المرض وتقبّل الخطة العلاجية. فعلينا أن نتعامل مع كل شخص يراجعنا كإنسان يطلب الاستشارة والمساعدة، لا كمرض بحاجة للعلاج.

مفهوم العلاج النفسي — أبسط مما تتخيل

يعتقد بعض الناس أن مصطلح "العلاج النفسي" يحمل غموضًا أو غرابة. لكن الأمر أبسط من ذلك بكثير.

المعالج النفسي يتعامل مع الشخص على أنه إنسان بحاجة للمساعدة من خبير ومختص في طبيعة المشكلات التي يواجهها الناس في حياتهم. ويتم ذلك عبر:

- الجلسات الفردية Individual Sessions: بين المعالج والشخص مباشرة

- الجلسات الجمعية Group Sessions: بين المعالج ومجموعة من الأشخاص الذين يتشاركون ظروفًا مماثلة

ويكون هدف العلاج النفسي تغيير الأفكار السلبية، ومساعدة الشخص في التفكير الإيجابي، أو إعادة تشكيل طريقة تفكيره — وهذا ما يُسمى بالعلاج المعرفي السلوكي Cognitive Behavior Therapy.

يقوم هذا النوع من العلاج على مبدأ واضح: طبيعة الأفكار — سلبية كانت أم إيجابية — تؤثر مباشرة على الحالة النفسية والسلوك. ومن هنا تأتي أهمية تعديل هذه الأفكار.

وهناك مصطلحات مشابهة في هذا المجال: تعديل السلوك Behavior Modification، والمداخلات النفسية Psychological Interventions، والإرشاد النفسي والدعم النفسي والعاطفي.

وحتى لا يبدو مصطلح "العلاج النفسي" غريبًا أو معيبًا في نظر بعض الناس، تذكّر أن كلمة "علاج" في اللغة العربية تعني حل مشكلة أو تقديم المساعدة — فنقول علاج المشكلات الاقتصادية، وعلاج المشكلات الاجتماعية، وغيرها. فكلمة العلاج لا تقتصر على المرض، بل تمتد لتشمل كل موقف يحتاج إلى تدخل مدروس وخبرة متخصصة.

إن الهدف من كل هذا ليس تجميل الواقع أو إخفاء الحقيقة، بل التعامل مع الإنسان بكامل إنسانيته. الكلمات التي نختارها في الغرفة الطبية لها وزن حقيقي — وقد تكون جزءًا من العلاج بقدر ما تكون جزءًا من التشخيص.

Previous
Previous

المعتقدات الدينية والفطرة الإنسانية — الجزء الأول

Next
Next

حين يمرض أحد أفراد الأسرة: الأعباء النفسية التي تحملها العائلة