مصطلح «الألم المزمن» وتأثيره في إدراك الألم وتقبّله ونتائج إدارته
مصطلح «الألم المزمن» وتأثيره في:
إدراك الألم، وتقبّل الألم (خبرة الألم)، ونتائج إدارة الألم
المقدمة
ندرك جميعًا العلاقة الوثيقة بين العقل والجسد.
ولا يزال الألم من المشكلات الطبية واسعة الانتشار. (1) إلا أن له في الواقع العديد من الآثار النفسية.
يدرك مقدّمو الرعاية الصحية ضمن فرق العمل متعددة التخصصات الصعوبات التي تواجه علاج الألم المزمن، رغم توفر مختلف أنواع العلاجات. كما يدرك مرضى الألم هذه المشكلة أيضًا. ومن المهم التفكير في العوامل الخفية أو المكوّنات الأخرى التي قد يكون لها تأثير سلبي أو إيجابي في عملية إدارة الألم.
إن تشخيص الألم وتصنيف درجاته يُعدّان من الأمور المهمة جدًا في إدراك الألم وتقبّله (خبرة الألم)، لما لذلك من تأثير في العمليات المعرفية والانفعالية التي قد تتداخل مع محاولات العلاج وإدارة الألم.
وعليه، فإن التأثير السلبي المحتمل لنوع التشخيص قد يعمل كأثر جانبي لأي دواء، بحيث يؤثر في النهاية في خبرة الألم وفي مختلف أساليب إدارة الألم.
ومن منظور نفسي، بدأت منذ سنوات عديدة بالتفكير في مصطلح «مزمن» بحد ذاته، وطرحت على نفسي الأسئلة التالية:
هل من الضروري استخدام مصطلح «مزمن» كتَشخيص في الممارسة الطبية؟
وهل من المناسب إبلاغ مريض الألم بحالته بهذه الطريقة؟
تساءلت عمّا إذا كان مصطلح «مزمن» قد يكون أحد العوامل الخفية المؤثرة في المشكلة. فقد تكون المشكلة مرتبطة بتصنيف تشخيص الألم نفسه، بما قد يؤدي إلى تدهور نتائج إدارة الألم، ويضع مرضى الألم في معاناة لا تنتهي. كما قد يُنظر إلى هذا المصطلح باعتباره وصمة، وقد يصبح في ذهن المريض شبيهًا بأي مرض خطير آخر.
إن كيفية التعامل مع مريض الألم تُعد جزءًا مهمًا من إدارة الألم أيضًا، ونحن بحاجة إلى تغيير طريقة التشخيص، لأن إدارة الألم تبدأ منذ لحظة تشخيص الألم، أو بمعنى آخر: التشخيص جزء من العلاج.
وقبل التفكير في تشخيص مرضى الألم وطرق علاجهم، ينبغي أن نفكر في الأسئلة التالية:
كيف نُعرّفهم بطبيعة مشكلة الألم؟
كيف نشرح شكواهم ونفسّرها؟
كيف نختار الكلمات المناسبة التي تؤثر إيجابيًا وبطريقة لطيفة في الإدراك والمشاعر، بما يمكّنهم من تقبّل ألمهم وتحسين إدراكهم له؟
كيف نحافظ على تواصل آمن مع مرضى الألم؟
كيف نشرح لهم الخطة العلاجية؟
إن جميع هذه الأمور لها تأثير قوي في تشكيل إدراك الألم وتقبّله، وبالتالي قد تؤثر بصورة إيجابية أو سلبية في استراتيجيات إدارة الألم.
وينبغي دراسة الآثار النفسية السلبية المحتملة لاستخدام مصطلح «مزمن» في جميع الممارسات الطبية والنفسية.
الألم المزمن
في واقع الأمر، عندما نصف الألم بأنه «مزمن»، فإننا نزيد من ترسيخ مشكلة الألم وتعقيدها وتضخيمها.
وبهذه الطريقة، تصبح مشكلة الألم راسخة باعتبارها مشكلة مزمنة، وقد تقف عائقًا أمام جميع المحاولات الرامية إلى حلها.
كما أن المصطلحات الطبية الحساسة في التشخيص تؤثر في غير المرضى أيضًا.
وقد أولت الأبحاث الحديثة اهتمامًا بحقوق المرضى ومطالبهم واحتياجاتهم، والتزمت بمعايير جديدة للرعاية الطبية والنفسية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن نجد مثل هذه الاهتمامات من خلال التركيز على الرعاية المتمحورة حول المريض (Patient-Centered Care) وخبرة المريض (Patient Experience)، واقتراح استخدام مصطلح «الشخص الذي يتلقى الخدمة» (The Person Served) بدلًا من استخدام مصطلح «المريض». كما أصبح هناك اهتمام باستراتيجيات التواصل المناسبة والعلاقة بين المريض والمعالج.
وفي الوقت نفسه، تزخر الدراسات الطبية والكتب الطبية بالمصطلحات الطبية الحساسة والمخيفة، والتي تحتاج إلى مراجعة وتعديل دقيقين من منظور نفسي وسلوكي، لاختبار المعاني غير المتوقعة التي قد تنشأ نتيجة اختلاف ردود أفعال المرضى وتفاعلاتهم مع هذه المصطلحات، وكذلك بسبب التأثير النفسي السلبي المتوقع لهذه المصطلحات في المرضى وأسرهم، وما قد يترتب عليه من تأثير في صحة المريض وسياسات العلاج أيضًا.
وعلى سبيل المثال، هناك العديد من المصطلحات الطبية التي تحمل معاني مخيفة أو شديدة الخطورة في مضمونها، مثل:
موت الدماغ، تلف الدماغ، نزيف الدماغ، السكتة الدماغية، الفشل الكلوي، تثبيط التنفس، السرطان، الشلل النصفي، الشلل الرباعي، الاضطرابات الذهانية المزمنة، وغيرها.
إن أي مصطلح طبي حرج أو خطير قد يحمل معاني مخيفة بالنسبة إلى الأشخاص غير المعتادين على الأجواء الطبية، أو عند ترجمته للمريض إلى لغة أخرى. وفي كلتا الحالتين، قد تؤدي هذه المصطلحات الحساسة إلى مضاعفات ومعاناة إضافية.
ومن خلال بعض المقالات التي تناولت مشكلة الألم المزمن، ورد في أحدها أن المرضى ومقدّمي الرعاية الصحية ينبغي أن يؤمنوا بمزمنة الألم «المزمن». وفي هذا الصدد، ذكر Murry (2) في مقاله:
«لماذا يرفض النظام الصحي الاعتراف بمزمنة الألم المزمن؟ يحرص معظم مقدّمي الرعاية الصحية على مناقشة حقيقة عدم وجود علاج شافٍ لهذه الحالات مع مرضاهم. ويُقال للمرضى عادةً إن التدخلات العلاجية أو التوصيات الجراحية قد تخلّصهم من الألم. إلا أن العلم يخبرنا بأن الألم المزمن مزمن بالفعل، بمعنى أنه لا يوجد علاج دوائي أو إجرائي شافٍ له. وتُظهر الأبحاث المتعلقة بنتائج التدخلات والإجراءات الجراحية لعلاج الألم المزمن باستمرار أنها غير فعّالة إلى حد كبير، أو أنها فعّالة بدرجة محدودة جدًا.»
وبناءً على ما أورده Murry أعلاه: «يحرص معظم مقدّمي الرعاية الصحية على مناقشة حقيقة عدم وجود علاج شافٍ لهذه الحالات مع مرضاهم»، فإن إخبار المريض بأنه يعاني من ألم مزمن، وأنه لا يوجد علاج شافٍ لهذه الحالة، قد يكون ضارًا جدًا.
فبهذه الطريقة نزيد من معاناة المريض، ونزيد من تناوله للأدوية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإدمان، كما نزيد من مدة العلاج، وهو ما قد يتداخل مع إدارة الألم ويؤدي إلى نتائج غير فعّالة. ولذلك يمكنني القول إن الألم، باعتباره مشكلة مزمنة، قد يترسخ لدى المريض من خلال التواصل الذي يبدأ من جانب مقدّم الرعاية الصحية.
ومن ناحية أخرى، ليس من المناسب إخبار المرضى بأن التدخلات الجراحية قد تخلّصهم من الألم. فبهذا يضع الأطباء المرضى في حالة من التوقعات الإيجابية المرتفعة. وللأسف، قد يدفعهم الأطباء بصورة غير مباشرة نحو الإحباط، الأمر الذي يزيد من معاناتهم بسبب النتائج الجراحية غير الفعّالة.
وينبغي لمقدّمي الرعاية الصحية محاولة تقليل مدة علاج المرضى، مما يؤدي إلى تقليل جرعات الأدوية، وخفض التكاليف المالية، وذلك من خلال تقديم الدعم والطمأنة للمرضى، واستخدام تواصل منظم جيدًا وحديث لطيف يساعد على الوصول إلى قدر من التحسن، بدلًا من إقناعهم بتقبّل مزمنة الألم.
قد تكون مشكلة الألم المزمن، بوصفها مسألة معقدة، مختبئة خلف مصطلح «مزمن» نفسه، إذ لا يفكر أحد عادةً في دراسة أو بحث تأثير هذا المصطلح في ردود أفعال مرضى الألم.
وقال Murry أيضًا:
«قد يكون تقبّل مزمنة الألم المزمن أصعب ببساطة من تقبّل الحالات الصحية المزمنة الأخرى.»
ومرة أخرى، يبدو أن Murry يشير إلى أن الألم المزمن مشكلة خطيرة يصعب تقبّلها، في حين يستطيع المرضى تقبّل أمراض مزمنة أخرى بسهولة أكبر، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم. ولذلك ينبغي أن نكون حذرين عندما نريد إخبار المريض بنوع الألم الذي يعاني منه، وأن نختار الكلمات المناسبة التي لا تحمل ردود أفعال سلبية على نفسيته وجسده.
وقال Murry أيضًا:
«على النظام الصحي أن يبذل جهدًا أكبر لفهم الطبيعة المزمنة الحقيقية للألم المزمن.»
وبناءً على هذه العبارة، يمكنني القول إن مزمنة مشكلة الألم قد تنشأ من استخدام مصطلح «مزمن» نفسه، لأن كل مريض يرغب عادةً في سماع الأخبار الجيدة، والأمل، والكلمات التي تمنحه شعورًا بالأمان بشأن حالته.
لقد أقرّ مقدّمو الرعاية الصحية بأن الألم المزمن هو السبب الوحيد لمشكلة الألم، لكن من الأفضل أن نساعد المرضى على إدراك أنهم يعانون من ألم فقط، وليس من ألم «مزمن» أو مستمر أو دائم.
وفي الوقت نفسه، يمكن لعملية العلاج أن تتعامل مع الألم باعتباره حالة مزمنة. بل إنني أفضل أن أخبر المرضى بأنهم يعانون من الألم فقط، وأقترح حذف كلمة «مزمن» من تصنيفات الألم، وهو الهدف الرئيسي من هذا المقال.
في الواقع، إذا تعمّقنا في تفسير حالة الألم للمريض كما هي، فقد نزيد من قلقه وتوتره في الوقت نفسه، مما سيؤثر سلبًا في إدراك الألم، وتقبّله، وخبرة الألم، والخطة العلاجية.
ومن ناحية أخرى، إذا قرأ مريض الألم النشرة التثقيفية (3) والوصف المتعلق بألمه والآثار الجانبية للدواء، فقد يرفض تناول الدواء، لأن بعض المرضى يشعرون بأنهم سيختبرون كل الأعراض والمضاعفات المذكورة عن ألمهم.
وبالنسبة إلى المريض، فإن معنى مصطلح «مزمن» سيتفاعل مع وظائفه العقلية وجسده وعوامله الانفعالية، وسيؤثر في مختلف جوانب حياته.
وقد يؤدي مصطلح «مزمن» إلى تكوين توقعات سلبية، كما قد يتفاعل مع مجالات متعددة من الحياة النفسية والاجتماعية للمريض، والأسرة، والدراسة، والعمل، بما في ذلك المزاج والإدراك والسلوك.
وفيما يتعلق بمصطلح «مزمن»، فإن قوة آليات التفاعل بين العقل والجسد في تشكيل إدراك الألم قد تكشف عن استجابات إيجابية أو سلبية، قد تؤدي إلى خفض تحمّل الألم أو زيادته. ومن ثم، سيؤثر ذلك في خبرة الألم، وسيؤثر بدوره في نوع إدارة الألم، ثم ستؤثر خبرة الألم مرة أخرى في عملية إدارة الألم، وأخيرًا في نتائج العلاج والتعافي، وتقل فرص التحسن، وقد يؤدي ذلك إلى شكوى مستمرة تتداخل مع أنماط جودة الحياة.
إذا توقفنا عن استخدام مصطلح «مزمن»، فقد يؤدي ذلك إلى إدراك طبيعي وإيجابي للألم، مما يطوّر تقبّلًا إيجابيًا له ويحسّن تحمّل الألم، ثم يؤدي إلى خبرة أفضل مع الألم، وأخيرًا إلى إدارة فعّالة للألم.
عندما يُبلّغ المريض بأنه يعاني من ألم مزمن، فقد يُصاب بالصدمة ويرفض هذا التشخيص، ثم ينشغل بتصنيف حالته، لأن المريض عادةً يثق بالطبيب، ولا يستطيع رفض تشخيصه أو تحدّيه، كما أنه غير مؤهل لمجادلة الطبيب فيما إذا كان يعاني فعلًا من ألم مزمن أم لا.
وفوق ذلك، فإن معظم المرضى يتوقون إلى معرفة الأخبار الجيدة، ويميلون إلى سماع ما يحبون سماعه.
وبالتالي، قد يؤدي مصطلح «مزمن» إلى ظهور القلق والاكتئاب، وإثارة مشكلات جديدة لدى المريض، ودفعه إلى تكوين أفكار وتوقعات سلبية بشأن دراسته أو عمله، وكذلك مسؤولياته الشخصية والأسرية.
في الواقع، عندما يدرك المريض أنه يعاني من ألم مزمن حقيقي، لا يمكننا معرفة ردود أفعاله النفسية والمعرفية الخفية أو السيطرة عليها، كما يصبح من الصعب التنبؤ باستجاباته الفسيولوجية غير الظاهرة، ولا سيما ما يتعلق بالجهاز العصبي والجهاز المناعي وجهاز الغدد الصماء، وغيرها. (4)
تأثير الكلمات والمصطلحات في إدراك المريض
الكلمات يمكن أن تُلهم، ويمكن أن تُدمّر؛ فاختر كلماتك بعناية.
— Robin Sharma
تذكّر دائمًا: كل كلمة تنطق بها تملك القدرة على أن تؤذي أو تشفي.
— Posivibe Man
كن حذرًا في كلماتك؛ فبعد أن تُقال، قد يُغفر أثرها، لكنه لا يُنسى.
حالات وأمثلة
الحالة الأولى
منذ سنوات عديدة، سمعت قصة عن مريض مصاب بـالسرطان كان يتلقى العلاج في أحد مستشفيات الولايات المتحدة الأمريكية. وقد شُفي من مرضه، وكان الأمر حدثًا مذهلًا بالنسبة إلى الأطباء، مما دفعهم إلى سؤاله:
هل تلقيت علاجًا آخر في مكان آخر؟
فأجاب:
لا، ولماذا تسألونني؟
فأجابوه:
لأن نتائج حالتك حتى الآن مذهلة.
فقال:
نعم، لقد سمعتكم — وكان يعاني من مشكلة في السمع — تقولون خلال جولاتكم الطبية المعتادة إن حالتي قابلة للشفاء.
وقد أدى ذلك إلى اعتقاده، من خلال عملية الإدراك المعرفي، بأنه سيتحسن، مما أثّر إيجابيًا في إدراكه، ودعم تقبّله لحالته، وحسّن إدارته للعلاج في النهاية.
(وفي الحقيقة، لم تكن حالته كذلك؛ فقد كانت حالة معقدة ويائسة.)
ثم أدرك الأطباء أن المريض كان سعيدًا لأنه سمع كلمة «قابل للشفاء» وليس «غير قابل للشفاء». وقد يكون ذلك قد أثّر في عملية إدراكه وفي جهازه العصبي ومشاعره، وربما أثّر أيضًا بصورة إيجابية في جهازه المناعي.
ويبدو أن ذلك يشبه نتيجة قوة التفاعل بين العقل والجسد، وفي النهاية شُفي المريض. ومع ذلك، يجب ألا ننسى تأثير الأدوية الموصوفة له.
وينبغي لهذه القصة أن تدفعنا إلى التفكير والتخيّل في كيفية اختلاف حالة هذا المريض أو وضعه المصيري لو أنه سمع الكلمة الدقيقة «غير قابل للشفاء».
كان من الممكن أن يكون الأمر أشبه بصدمة شديدة أو مؤذية، ولكانت القصة مختلفة تمامًا.
الحالة الثانية
رجل شُخّص بسرطان في مراحله النهائية. وقد أورد الدكتور B. Klopfer هذه الحالة في Journal of Projective Techniques عام 1957. وكانت تتعلق برجل مصاب بسرطان منتشر، مع وجود أورام انتشرت في أنحاء جسمه.
كان المريض قد جرّب كل أشكال العلاج الطبي المتاحة، وتدهورت حالته بشكل ميؤوس منه إلى درجة أصبح معها طريح الفراش ويكافح من أجل التنفس. واتفق أطباؤه على أنه لم يتبقَّ له سوى بضعة أيام ليعيشها.
ثم سمع الرجل، من خلال العملية المعرفية، عن دواء تجريبي يُسمى Kebuzone، كان في ذلك الوقت قيد الاختبار.
وأصرّ على أن يُدرج ضمن التجارب الدوائية. وشعر أطباؤه بأنه لم يعد لديه ما يخسره، وأن وفاته باتت وشيكة.
وبدافع التعاطف، وافقوا على إعطائه الدواء التجريبي.
ولدهشة الأطباء، بدأت أورامه بالانكماش بصورة كبيرة، وسرعان ما غادر المستشفى.
وبعد شهرين، قرأ الرجل أخبارًا عن الأبحاث المتعلقة بدواء Krebiozen، وكانت التقارير تشير إلى وجود شكوك جدية حول فعالية الدواء.
وخلال أيام قليلة، عادت أورامه للظهور وأصبحت تهدد حياته من جديد.
عندها أقنعه طبيبه بمهارة، من خلال تغيير إدراكه، بأنه تم استلام شحنة جديدة وأكثر قوة من الدواء، وشرع في إعطائه حقنًا من الماء العادي.
وبدأت أورامه مرة أخرى بالانكماش بصورة كبيرة.
وظل بصحة جيدة لمدة سبعة أشهر أخرى، إلى أن نشرت إحدى التقارير الإخبارية إعلانًا يفيد بأن:
«اختبارات AMA على مستوى البلاد تُظهر أن Krebiozen عديم القيمة كعلاج للسرطان.»
وتوفي الرجل خلال يومين.
الحالة الثالثة
خضع شاب يبلغ من العمر 19 عامًا لعملية بتر فوق الركبة اليمنى بسبب السرطان.
وخلال تغيير الضماد اليومي على الجرح، رفض إجراء التغيير في الجناح، وطلب من الممرضة إرساله إلى غرفة العمليات (OR)، وكان يصرخ وخائفًا ويبكي.
استجابت الممرضة لطلبه، وبعد يومين من السلوك نفسه، أحالته إليها لاستشارة نفسية.
وخلال المقابلة، قال إنه يشعر بأن تغيير الضماد في الجناح مؤلم، بينما كان يتلقى مسكنات جيدة للألم في غرفة العمليات، لأن شخصًا ما أخبره بأن تغيير الضماد في غرفة العمليات أفضل من الجناح.
ولهذا السبب رفض إجراء تغيير الضماد في الجناح.
(كانت المسألة متعلقة بالإدراك.)
وفي الحقيقة، كان الدواء المستخدم في المكانين هو الدواء نفسه. وبعد تقديم الدعم وبناء علاقة علاجية جيدة معه، وعدته بأن أحضر له الدواء نفسه المستخدم في غرفة العمليات لإجراء تغيير الضماد في الجناح، وذلك لمعالجة مشكلة الإدراك لديه.
ثم وافق، وتلقى تغيير الضماد في الجناح بهدوء ومن دون أي شكوى.
حقوق المريض
بشكل عام، لا تهدف فكرة هذا المقال إلى الدعوة إلى انتهاك حقوق المريض أو إهمالها فيما يتعلق بوضعه الطبي الحقيقي، إذ يحق للمريض أن يعرف التشخيص الصحيح لحالته، ولكن من غير المنطقي أن يتم ذلك بطريقة محفوفة بالمخاطر أو الضرر.
ففي بعض الأحيان، قد لا يستطيع المريض تحمّل طبيعة حالته أو فهمها، وقد تكون لديه بعض المكونات النفسية السلبية في تاريخه، أو قد لا يكون مستعدًا لسماع حالة طبية خطيرة أو حرجة تتعلق بوضعه الصحي.
كما أنني لا أدعو إلى تغيير طبيعة الخطة العلاجية أو الأنظمة أو السياسات. إذ ينبغي أن يظل بروتوكول إدارة الحالة كما هو، ولكن اهتمامي ينصبّ على كيفية إبلاغ المريض بوضعه الطبي، وكيفية تفسير شكواه، وكيفية تصنيف تشخيصه.
لذلك، ينبغي التمييز بين مواقف التعليم والتعلّم الطبي من جهة، وبين الأجواء الإنسانية للممارسة الطبية من جهة أخرى.
وفي هذا الصدد، يستطيع مقدّمو الرعاية الصحية استخدام كلمات بسيطة ومناسبة وآمنة، وتجنّب استخدام مصطلح «مزمن»، لأن الكلمات البسيطة والآمنة قد تحمل مكوّنًا إيجابيًا أو تؤدي إلى استجابة محايدة.
وقد تعمل الكلمات البسيطة والآمنة بطريقة تشبه تأثير الإيحاء (وتشبه إلى حد ما قوة تأثير الدواء الوهمي). وللإيحاء تأثير قوي يمكن أن يؤدي إلى استجابات فسيولوجية إيجابية، ويسهّل خطوات العلاج.
كما تساعد الكلمات البسيطة والآمنة على إنتاج حالة من الشعور بالأمان والراحة طوال رحلة العلاج.
وبالتأكيد، سيشعر المريض بالهدوء والاسترخاء والرضا. وهذا يساعده على تقبّل حالته، مما يعزز تقبّل الألم ويساعد على تسهيل إدراك إيجابي للألم وعلى سير العملية العلاجية بسلاسة، من دون قلق أو أفكار مؤذية؛ وهذا في النهاية هو ما نسعى إلى تحقيقه.
وكما نعلم، فإن الألم يُعد أحد العلامات الحيوية الخمس، وهذا يعني أنه ينبغي أن نكون حذرين ودقيقين عند التعامل معه، وخاصة في حالات ارتفاع ضغط الدم والسكري.
سلوك المعالجين
يستخدم بعض الأطباء المصطلحات الطبية الحساسة بشكل متكرر وبسهولة أمام المريض، من دون الانتباه إلى ما تعنيه هذه المصطلحات من وجهة نظر المريض.
فكيف سيفهمها المريض أو يستقبلها؟
وكيف سيتعامل معها أو يتكيف معها؟
وكيف ستؤثر في عقله وجسده؟
وأحيانًا يستخدم الأطباء المصطلحات الطبية الحساسة والتفاصيل الطبية أمام أفراد الأسرة والزوار.
فهم ينظرون إلى المصطلحات الطبية باعتبارها موضوعًا طبيعيًا بسبب استخدامها المتكرر، وبسبب اعتيادهم عليها، بينما تختلف القصة تمامًا من منظور المريض.
الحذر في التشخيص
يحتاج مريض الألم إلى الدعم والتشجيع والطمأنة والرعاية الشاملة والمتخصصة نفسيًا واجتماعيًا، حتى يتمكن من مواجهة الألم ورحلة علاجه، إلى جانب مختلف الخدمات الطبية الأخرى.
وفي إدارة الألم، ينبغي أن نكون حذرين في إخبار المريض بتشخيصه، للأسباب التالية:
1. يمتلك معظم الناس نوعًا من المعرفة عن الألم المزمن والصعوبات التي تواجه عملية علاجه، من خلال وسائل الإعلام أو الأقارب أو الأصدقاء وغير ذلك.
2. منطقيًا، هل نحن ملزمون بإخبار مريض الألم بأنه يعاني من ألم مزمن؟
لأن المعلومات والتصنيفات الأكثر خطورة وحساسية قد تزيد من توتر المريض وقلقه، مما سيؤثر في الخطة العلاجية.
3. يعاني بعض مرضى الألم من مشكلات طبية أخرى أو مشكلات طبية متعددة.
4. لا يحب بعض الأشخاص أن يتم تصنيفهم على أنهم «مرضى»، ولديهم توقعات سلبية تجاه المرض والأدوية.
5. لا يحب بعض الأشخاص زيارة المستشفيات أو العيادات الطبية، لأنهم شديدو الحساسية تجاه الأمور الطبية وغيرها من أنواع العلاج التي قد تؤدي إلى التوتر والقلق والإحباط.
6. يشعر بعض الأشخاص بالتوتر والقلق والخوف عند رؤية الدم أو شخص مصاب، أو عند سماع أصوات مرتبطة بالأجواء الطبية، مثل صوت سيارة الإسعاف، أو عند شم روائح مرتبطة بالبيئة الطبية.
7. قد يكون بعض المرضى قد تعرضوا لتجارب سيئة مع نوع من أنواع العلاج الطبي، ولديهم مخاوف من التشخيصات الحساسة.
8. قد يعاني المريض من مشكلات أو اضطرابات نفسية، أو عوامل مهيئة، أو نقاط مثيرة للاستجابة (Trigger Points)، قد تتداخل مع التشخيص الطبي الحرج الفعلي.
9. توجد سمات أو حالات اكتئابية ووسواسية وقلقية بدرجات مختلفة لدى معظم الناس، وقد تؤدي إلى زيادة مشكلة الألم، ومن الصعب اكتشافها من دون تقييم محدد وشامل خلال عملية علاج الألم.
10. يختلف كل مريض عن الآخر في درجة عتبة الألم ومستوى تحمّله للألم، وفقًا للفروق الفردية.
11. يفهم كل مريض ويتفاعل مع «مصطلح مزمن» بطريقة مختلفة، بسبب الفروق الفردية في إدراك الألم، وما يرتبط بذلك من الثقافة والدين والمعتقدات والقيم والتجارب السابقة، مما سيؤثر في طريقة تعامله مع الألم وفقًا لخطة إدارة الألم.
12. قد يعتبر المريض مصطلح «مزمن» مسألة خطيرة تضعه في موقف يشعر فيه بالأذى والخطر والتوتر، مما يؤثر في طريقة تفكيره وسلوكه ويضعه في حالة حرجة. ومع إضافة الأعراض الأخرى للألم، فقد يعني ذلك بالنسبة إليه أن الألم سيستمر أو سيبقى لفترة طويلة، وبالتالي قد تتأثر أجهزة الغدد الصماء والجهاز العصبي والجهاز المناعي أيضًا.
13. يعزز مصطلح «مزمن» معاناة الألم بصورة غير مباشرة، ويؤدي إلى الإحباط بصورة غير واعية، مما قد يعقّد مشكلة الألم أو يزيدها سوءًا.
14. هل تشبه الاستجابة النفسية للمريض تجاه مصطلح «مزمن» استجابة شخص ميؤوس من حالته، أو قد تكون شبيهة باستجابة مريض آخر عندما يُبلّغ بأنه مصاب بالسرطان أو بأي تشخيص طبي خطير آخر؟
أهداف المقال
إذا تجنبنا استخدام مصطلح «مزمن»، فقد نتمكن من الوصول إلى ما يلي:
1. السيطرة على المضاعفات النفسية السلبية المتوقعة وتقليلها، مثل التوتر والقلق والاكتئاب، والتي تتداخل مع فرص التعافي من الألم.
2. تقليل تناول الأدوية، مثل المسكنات والمخدرات، بهدف تجنب الآثار الجانبية لهذه الأدوية والإدمان والقرحة الهضمية والفشل الكلوي وغيرها.
3. تجنّب بعض التدخلات الجراحية غير المناسبة أو غير المفيدة، لأن بعض مرضى الألم قد يطلبون الجراحة باعتبارها محاولة علاجية بديلة.
4. تعزيز الجهود التي تؤدي إلى خفض التكاليف المالية لعلاج مشكلة الألم، من خلال تقليل فترات الإقامة في المستشفى، وحالات الدخول المتكررة، والزيارات الدورية للمتابعة.
5. تعزيز النتائج الإيجابية خلال عملية العلاج.
6. بناء علاقة جيدة بين فريق المعالجين والمريض أيضًا.
7. دعم المريض وطمأنته لتحقيق نتائج جيدة من التحسن.
8. توفير حياة طبيعية وهادئة للمريض من دون وصمة.
9. إدراك ضرورة تغيير مصطلح «مزمن» في الأدلة العامة أو حذفه من المراجع الطبية، والتوقف عن استخدامه في المجالات الطبية والممارسة الطبية والتعليم الطبي.
10. تشجيع الباحثين على مراجعة آثار استخدام أي مصطلحات أو تصنيفات طبية حساسة مشابهة في تخصصات ارتفاع ضغط الدم والسكري والأمراض العصبية والسرطان وأمراض القلب وغيرها، والتي قد تؤثر في برامج العلاج أو تتداخل معها.
11. إشراك الطبيب النفسي وأخصائي علم النفس السريري عندما يرغب فريق إدارة الألم في إبلاغ المريض بحالته الطبية وتشخيصه.
الخلاصة
استنادًا إلى العلاقة الوثيقة بين العقل والجسد، توجد بعض المصطلحات التشخيصية الطبية الحساسة التي قد يكون لها تأثير نفسي سلبي في المرضى أثناء الممارسة الطبية، وقد يؤثر ذلك في الخطط العلاجية، وخاصة في مجال إدارة الألم.
ويُعد مصطلح «مزمن» أحد هذه المصطلحات الحساسة التي تحتاج إلى اختبار تجريبي للتحقق من تأثيرها في نتائج إدارة الألم.
المراجع
(1) R. J. Gatchel & D. C. Turk (Eds). 1999. Psychosocial Factors in Pain: Critical Perspectives (pp. 3–17). New York: Gilford Press. In Robert J. Gatchel (2005), Clinical Essentials of Pain Management. American Psychological Association. Washington, DC.
(2) J. McAllister, PsyD. What Is Chronic Pain? 2015. Editor and founder of the Institute for Chronic Pain (ICP).
(3) J. Schmitz et al. Impact of patient information leaflets on pain medication intake behavior: a pilot study. Pain, 1–6 (2017).
(4) F. Benedetti. How the doctors' words affect the patient's brain. Evaluation and the Health Professions, Vol. 25, No. 4, 2002, pp. 369–386.
(5) Klopfer, B. 1957. Psychological Variables in Human Cancer. Journal of Projective Techniques 21:331–40.
د. محمد صالح فالح مهيدات
استشاري أخصائي علم النفس السريري
مجالات الطب والتأهيل
عضو منتسب إلى APA و IASP
الرمز البريدي: 13112 – الزرقاء
ص.ب. 12210
الهاتف الخلوي: 00962772679189
الهاتف: 0096253852729
البريد الإلكتروني: mmehaidat@gmail.com
عمّان – الأردن